يزيد بن محمد الأزدي
124
تاريخ الموصل
حتى اختلق له عهدا على صدقات تغلب وبكر بالجزيرة ، وقال لأصحابه : إن أمير المؤمنين قد ولاني هذه الصدقات ، فمن أراد اللحاق بي فليفعل . ثم سار حتى أتى رصافة هشام فأعلم أصحابه ما كان من الأخطل إليه ، وأنه افتعل كتابا ، وأنه ليس بوال ، فمن كان أحب أن يغسل عنى العار وعن نفسي فليصحبنى ؛ فإني قد أقسمت ألا أغسل رأسي حتى أوقع في بنى تغلب ، فرجعوا عنه غير ثلاثمائة ، قالوا له : نموت بموتك ونحيا بحياتك ! فسار ليلته حتى صبح الرحوب - وهو ماء لبنى جشم بن بكر من تغلب - فصادف عليه جماعة عظيمة منهم ، فقتل فيهم مقتلة عظيمة وأسر الأخطل وعليه عباءة وسخة ، فظنه الذي أسره عبدا ، فسأله : من هو ، فقال : عبد ؛ فأطلقه ، فرمى بنفسه في جب ، وخاف أن يراه من يعرفه فيقتله ، فلما انصرف الجحاف خرج من الجب . وأسرف الجحاف في القتل وبقر البطون عن الأجنة ، وفعل أمرا عظيما ، فلما عاد عنهم قدم الأخطل على عبد الملك ، فأنشده قوله : لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة * إلى الله منها المشتكى والمعول فهرب الجحاف ، فطلبه عبد الملك ، فلحق ببلاد الروم ، وقال بعد وقعة البشر يخاطب الأخطل : أبا مالك هل لمتنى أو حضضتنى * على القتل أم هل لامنى كل لائم ألم أفنكم قتلا وأجدع أنوفكم * بفتيان قيس والسيوف الصوارم بكل فتى ينعى عميرا بسيفه * إذا اعتصمت أيمانهم بالقوائم فإن تطردونى تطردونى وقد جرى * بي الورد يوما في دماء الأراقم نكحت بسيفي في زهير ومالك * نكاح اغتصاب لا نكاح دراهم في أبيات . ولم يزل الجحاف يتردد في بلاد الروم من طرابزندة إلى قاليقلا ، وبعث إلى بطانة عبد الملك بن قيس حتى أخذوا له الأمان ؛ فأمنه عبد الملك فقدم عليه فألزمه ديات من قتل ، وأخذ منه الكفلاء وسعى فيها ، فأتى الحجاج من الشام ، فطلب منه فقال له : متى عهدتني خائنا ؟ ! فقال له : ولكنك سيد قومك ولك عمالة واسعة ، فقال : لقد ألهمت الصدق ؛ فأعطاه مائة ألف درهم ، وجمع الديات فأوصلها ، ثم تنسك بعد وصلح ومضى حاجا ، فتعلق بأستار الكعبة وجعل ينادى : اللهم اغفر لي ، وما أظن تفعل ! فسمعه محمد ابن الحنفية فقال : يا شيخ ، قنوطك شر من ذنبك . وقيل : إن سبب عوده كان أن الجحاف أكرمه ملك الروم وقربه ، وعرض عليه